ابن ظهيرة

109

الجامع اللطيف

طعاما للحاج ، يأكله من ليس له سعة ، وكان قصى ينحر على كل طريق من طرق مكة جزرا كثيرة ، ويطعم الناس وكان يحمل راجل الحاج ويكسو عاريهم . ثم صارت بعد عبد مناف ابن قصى إلى ابنه هاشم فكان يطعم الناس في كل موسم إلى أن توفى . فقام بذلك بعده عبد المطلب . ثم بعده أبو طالب واستمر إلى أن جاء الإسلام . فقام به النبي صلى اللّه عليه وسلم وأرسل بمال يعمل به الطعام مع أبي بكر رضى اللّه عنه حين حج بالناس سنة تسع ثم عمل سنة عشر في حجة الوداع . ثم أقامه أبو بكر في خلافته ، ثم عمر ، ثم الخلفاء بعده « 1 » . ثم لما ولى معاوية رضى اللّه عنه اشترى دارا بمكة وسماها دار المراحل وجعل فيها قدورا فكانت الجزر والغنم تطبخ فيها أيام الحج في الموسم ، ثم يفعل ذلك في شهر رمضان . ويروى أن أول من أطعم الحاج الفالوذج بمكة عبد اللّه بن جدعان وفد على كسرى فأكل عنده الفالوذج فسأل عنه فقالوا : لباب البر مع العسل ، فقال : ابغونى غلاما يصنعه فأتوه بغلام فاشتراه وقدم به مكة فصنع الفالوذج للحاج ، ووضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد ثم نادى مناديه ، ألا من أراد الفالوذج فليحضر ، فحضر الناس وما زال ذلك إطعامه للحاج في الجاهلية . ( وأما السقاية ) : فكان أصلها حياضا من أدم ، توضع على عهد قصى بفناء الكعبة ، وتملأ ماء للحاج ، وكان قصى يسقى اللبن المخيض ويسقى الماء المنبوذ بالزبيب أيضا ، وما زال ذلك فعله حتى هلك . فقام به هاشم بعده . ثم أخوه المطلب بعده . ثم عبد المطلب ، وكان يسقى لبنا وعسلا في حوض من أدم عند زمزم ، ثم قام به العباس رضى اللّه عنه بتولية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم تزل في ولده من بعده . أقول : إلى يومنا هذا . ( تتميم بذكر شئ من خبر قصى ) : روى الأزرقي رحمه اللّه أن قصيا لما انتهت إليه رياسة مكة وقرب أجله قسم رياسته ومكارمه بين ولده ، فأعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة ، وأعطى عبد الدار السدانة وهي حجابة البيت ودار الندوة واللواء « 2 » . وقد تقدم ذكر السدانة والسقاية والرفادة وتفسيرها مستوفى .

--> ( 1 ) شفاء الغرام ج 2 ص 139 فما بعدها . ( 2 ) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 110 .